قراءات مختارة في دراسات القانون والمجتمع: روجير كوتيريل (الجزء الثاني) بقلم: جميل سالم وريم البطمة

بقلم
2791

يمثل روجر كوتيريل (Roger Cotterrell)[i] مرجعية من المرجعيات في حقل دراسات "القانون والمجتمع". وغالباً ما يوظف أبرز كتبه الذي ألفه وهو بعنوان سوسيولوجيا القانون: مقدمة (Sociology of Law: An Introduction) ككتاب مقرر في المناهج التعليمية في دراسات سوسيولوجيا القانون. وتتطرق بعض المقالات المنشورة في دورية القانون والمجتمع (Journal of Law and Society) إلى موضوع نشوء الدراسات الاجتماعية القانونية والعلاقات القائمة بين علم الاجتماع والأفكار القانونية. 

ففي المقالة المنشورة تحت عنوان "تقويض المعتقدات التقليدية وإضفاء الصفة المركزية على القانون: نظرة على الدراسات الاجتماعية القانونية"[ii]، يدعو كوتيريل إلى تبنّي اتجاهات جديدة في الدراسات الاجتماعية القانونية. وهو يقرّ بأن توقعه الأول من هذه الدراسات كان يتمثل في بروز "مجموعة من المذاهب الجديدة في القانون والتي تتيح القطع مع العالم المنغلق الذي يتسم به الفكر والتعليم القانونيّيْن".[iii] وليس من الغريب أن نجد كوتيريل ينتقد الدراسات القانونية التي ظهر أنها تركز على الصفة التقنية باعتبارها غاية بحد ذاتها، كما أنه لم يولِ اهتماماً بالأسئلة الجوهرية التي تدور حول طبيعة القانون ومصادره وتبعاته بصفته ظاهرة اجتماعية أو حول أسسه الأخلاقية. وقد رفض العديد من أهل القانون تدخل الدراسات الاجتماعية في القانون بصورة مباشرة. وعلى العكس من ذلك، يثبت كوتيريل أن العلوم الاجتماعية تستطيع أن تقدم الكثير لعلم القانون:

 

"إن الجهود التي تسعى إلى تطبيق العلوم الاجتماعية على القانون لم تكن أمراً يمثل قسم الولاء لعلم الاجتماع باعتباره علماً متميزاً، ولكنه كان يتمثل في رفض الادعاءات بقيام الحدود بين المعارف الأكاديمية، بما فيها تلك المعارف المرتبطة بالقانون وعلم الاجتماع. ويبدو أن من الأهمية التعامل مع دراسة القانون باعتبارها دراسة تجريبية منهجية لحقل من حقول المعرفة الاجتماعية. ولم يكن هذا الأمر يستدعي من كل أكاديمي يشتغل بالقانون إجراء أبحاث تجريبية حول السلوك المتبع في السياقات القانونية، ولكنه يتطلب من الباحث بصفته عالماً بالقانون أن يكون على علم وافٍ بتلك الأبحاث التي يجري إعدادها وبمصادر العلوم الاجتماعية التي يمكن أن تقدم الدراسات القانونية. ويستدعي هذا الأمر إيجاد أفضل الطرق لإدراج النتائج ووجهات النظر التي تفضي إليها الدراسات الاجتماعية العلمية في الفكر القانوني الذي يحمله أهل القانون، بالإضافة إلى مساندة المبادرات الهادفة إلى إجراء الأبحاث التجريبية الاجتماعية القانونية والتعاون معها.[iv] 

تنوع النظريات في الدراسات الاجتماعية القانونية 

وفيما يتعلق بالاتجاهات الجديدة التي يتعين على الدراسات الاجتماعية القانونية أن تتطرق لها، يركز كوتيريل على الحاجة إلى إنجاز المزيد من الأعمال النظرية التي تتناول طبيعة القانون المعاصر، كما يدعو إلى بذل المزيد من الجهود التي تسعى إلى توضيح الهدف من هذه الدراسة.

ويؤكد كوتيريل على أن النظريات الاجتماعية القانونية الكلاسيكية الرئيسية لا تتمكن من استيعاب التطورات التي طرأت على القانون المعاصر الذي يتسم بتنوع الممارسات التنظيمية ومستويات الحكم فيه، إلى جانب المجتمع الذي يتميز بقدر أكبر من الاختلاف والتعقيد. ومع ذلك، لا تزال النظريات ضرورية لأن النظرية توفر منظوراً في حقل معقد ومتنوع. ويبدو أن النظريات المعاصرة تضع نفسها في مستوى أكثر تواضعاً من قريناتها النظريات الاجتماعية الكلاسيكية العامة من خلال التركيز على تنوع الأنظمة المعاصرة. وبذلك، تتحاشى تلك النظريات التعامل مع السؤال الذي يكاد لا يجد إجابة عنه والذي يدور حول "ما هو القانون؟"، مما يمكِننا معه وضع ما نختار أن نحدده كقانون في سلسلة متصلة أو في شبكة من الممارسات والأساليب المنتظمة. ومع أنه يدعو إلى استكشاف النظرية التعددية القانونية واستخدامها، يلاحظ كوتيريل وجود توجه آخر في حقل الدراسات الاجتماعية القانونية يتمثل في دراسة القانون على نحو ما يعرّفه القائمون على وضع السياسات. ولا يرفض كوتيريل هذا المنهج بكليّته، ولكنه يدرجه ضمن المنظور التعددي. ولا يتضمن المنهج التعددي القانوني في العادة رفض وجهات النظر التي يدلي بها أهل القانون وواضعو السياسات حول القانون، ولكنه يعمل في الغالب على استكمالها وتوسيعها وتفسيرها وشرحها ضمن سياق علمي اجتماعي أوسع.[v]

وبالإضافة إلى ما تقدم، يشير كوتيريل في كتاباته المختلفة إلى أن التعددية القانونية لا تجبرنا على دراسة بعض القواعد التي تصدر عن بعض المؤسسات أو المنظمات باعتبارها قانوناً، وإنما "تمكّننا هذه القواعد من البحث عن ظواهر تشبه بما فيه الكفاية قانون الدولة في بعض جوانبها كي نتمكن من إجراء مقارنة مفيدة. كما يركز على الافتراض بأن بعض أنواع التنظيمات المجتمعية، التي لا تستمد مصدرها من سلطة الدولة، يمكن أن تتبوأ مكانه هامة تتداخل مع قانون الدولة. والأهم من ذلك أن المنهج التعددي القانوني يثير السؤال حول الموضع الذي يتبوؤه القانون في نهاية المطاف وما إذا كانت الاختبارات الإيجابية البسيطة تكفي لتفسير صلاحية القانون. وقد تعتمد سلطة القانون على مدى تقاطعه مع الاحتياجات القائمة لتنظيم العلاقات الاجتماعية الملموسة وتلبيته لها. فإذا ما كانت المصادر الاجتماعية للقانون والتي تقع ضمن أنواع متباينة من حياة المجتمع متنوعة، فسوف يكون القانون نفسه متنوعاً في معناه وفي أثره، وسوف يصطبغ أيضاً بالتوقعات الأخلاقية المتنوعة والمسؤوليات المرتبطة به.

وتتجه النظرية في الدراسات الاجتماعية القانونية نحو دراسة القانون "باعتباره بناءً روتينياً". وهنا، يركز أهل القانون على الخلافات والمنازعات. ومن جانب آخر، يفصح الفكر الاجتماعي القانوني عن وجهة نظر أخرى من خلال بيان كيفية مساهمة القانون أو عجزه عن المساهمة في "البناء الروتيني للعلاقات الاجتماعية، إلى جانب الردود التي يضعها للانهيار الاجتماعي".[vi] لذا، تُعنى الدراسات الاجتماعية القانونية، وبالتالي دراسات "القانون والمجتمع"، بل ويجب أن تُعنى، بدراسة تركيز القانون على الجانب الاجتماعي. ولذلك، ينظر كوتيريل إلى القانون باعتباره جانباً من جوانب التجربة الاجتماعية التي تكرر الجهود التي تُبذل على الصعيد الاجتماعي القانوني بهدف تتبع العلاقات السببية القائمة بين القانون والمجتمع. ولذلك، يستدعي هذا الأمر إجراء الدراسات الاجتماعية التي لا تقتصر على قانون الدولة.

كما يشير كوتيريل في دراساته حول دراسات القانون والمجتمع إلى دوركايم ويفترض بأنه يتعين على الدراسات الاجتماعية القانونية أن تولي قدراً أكبر من الاهتمام بالأسس الأخلاقية للقانون أو لما يسميه "الصدى الأخلاقي للقانون" (moral resonance of law). ولا ينبغي لنا أن نفهم أن الأخلاق تعني مفهوماً عاماً يشمل المجتمع بكافة فئاته وشرائحه، بل هي تمثل مستوى أكثر تواضعاً يُعنى بـالظروف المعيارية المتباينة المتعلقة بالتكافل في العديد من العلاقات التي تسود المجتمع والتي تتنافس وتتعايش وتتصارع وتتداخل مع بعضها البعض بما يمكّنها من التشكل وإعادة التشكل بحسب عضوية المجتمع التي لا تنفكّ متعددة ومرنة على الدوام".[vii]

لم يعُد من الممكن التعامل مع مفهوم المجتمع باعتباره كلاً متكاملاً قائماً بذاته، وذلك لأنه يفلت من الحدود السياسية التقليدية للدولة. وفي هذا الإطار، تتخطى الأشكال الجديدة للتنظيمات الاجتماعية، من قبيل العلاقات التجارية وحقوق الإنسان، الحدود القومية. ولذلك، يجب أن تساهم الدراسات الاجتماعية القانونية في فهم التطورات الجديدة التي تطرأ مؤسسات الدولة وانعكاساتها وآثارها على المجتمع.

لقد مثلت دراسة السلطة محوراً جوهرياً من محاور الدراسات الاجتماعية القانونية، حيث تستكشف هذه الدراسات مختلف جوانب السلطة التي يتمتع بها القانون، وذلك من ناحية كيفية تنظيمه، ومصادره، وآثاره، والطريقة التي يسعى الناس والمنظمات من خلالها إلى استخدامه والوصول إليه بالإضافة إلى الطرق المتباينة لتأثرهم به. وفي الوقت الذي يوصي فيه بأن تحافظ الدراسات الاجتماعية القانونية على هذا التركيز على السلطة، يعيد كوتيريل التأكيد على الروابط القائمة بين القانون والأخلاق. 

الفهم السوسيولوجي للقانون

وفي مقال نشره في دورية القانون والمجتمع[viii]، يشير كوتيريل إلى فكرة مفادها أنه على النقيض مما يعتقده معظم المشتغلون بالقانون (وهو أن القانون يملك حقيقته الخاصة التي لا تستطيع العلوم الاجتماعية الوقوف عليها)، يمكن للدراسات الاجتماعية القانونية أن تُضفي بُعداً على طبيعة الأفكار القانونية وأن تساهم في فهم العقيدة القانونية (legal doctrine) على نحو أفضل. إن الفهم السوسيولوجي للقانون ليس ممكناً فحسب، بل إنه ضروري كذلك.

وفقاً لما يفترضه كوتيريل، يتضمن الفهم السوسيولوجي للقانون رفض التقسيم الاعتيادي للمهام، والذي يخصص لأهل القانون والفقه مهمة تحليل القانون باعتباره مذهباً، ينطوي على معايير وقواعد ومبادئ ومفاهيم وطريقة تفسيرها وإضفاء الصلاحية عليها، ويخصص لعلماء الاجتماع مهمة دراسة القانون باعتباره سلوكاً من ناحية الدوافع التي تقف وراءه. وهنا، يدعو كوتيريل إلى العودة إلى مؤسسي علم الاجتماع القانوني، وهم ويبر (Weber)، ودوركايم (Durkheim)، وإيرليخ (Ehrlich)، وبيترازيكي (Petrazycki) وغيرهم، الذين وضعوا القانون والعقيدة القانونية في موضع مركزي من اهتماماتهم السوسيولوجية في هذا المجال. وقد بات من المعترف به أنه يتعين فهم الأفكار القانونية باعتبارها نتاجاً للظروف التاريخية أو الثقافية أو السياسية أو المهنية التي تقدِر الدراسات السوسيولوجية على وصفها وتفسيرها. ومع ذلك، لا تزال قدرة علم الاجتماع على تفسير الأفكار القانونية على نحو أفضل من غيره من نظم المعرفة تشهد مقاومة ولا تفتأ الثقة مزعزعة فيها. ولذلك، يعتقد نيلكين (Nelken) بأن القانون يمتلك حقيقته الخاصة به وطريقته الخاصة في تفسير العالم، كما يستطيع القانون أن يحدد متى يستخدم المعارف الأخرى التي يرتئي أنها مفيدة ويحولها إلى "نتاجات مهجّنة".[ix]

ويدافع كوتيريل كذلك عن نظريته وإعادة تشكيل الفرضيات الكلاسيكية بشأن القانون والمجتمع، ويدعو إلى النظر إلى الحدود التي تفصل بين النظم المعرفية من ناحية براغماتية وليس باعتبارها "سجوناً للفهم"؛ فلا يتأثر القانون أو يصطبغ بالسياق الاجتماعي الذي تُعنى به الدراسات الاجتماعية القانونية فحسب، بل إنه في الواقع وإلى حد ما يشكّل الواقع الاجتماعي. ولذلك، لم يعُد بالإمكان رسم حدّ واضح يتمكن من اليفصل بين الجانبين القانوني والاجتماعي؛ بل هناك حاجة لفهم يتسم بقدر أكبر من الشمول.

وفي مجمل كتاباته يؤكد كوتيريل على أنه لا يجوز فهم المنظور السوسيولوجي باعتباره يشكل تمسكاً بمناهج علم الاجتماع أو نظرياته، وإنما بصفته فهماً يتخطى الحدود المعرفية للأفكار القانونية التي تهدف إلى تفسير القانون كظاهرة اجتماعية، حيث يجب النظر إلى القانون باعتباره ظاهرة اجتماعية؛ حيث يتعين فهم القانون كحقل من حقول المعرفة بصفته جانباً من جوانب العلاقات الاجتماعية بشكل عام وباعتباره يُعنى بصورة كلية بتعايش الأفراد ضمن جماعات اجتماعية ووضع النصوص القانونية ضمن سياق تاريخي نظري أوسع من التفسيرات التي يتيحها علم القانون.



[i] يشغل كوتيريل منصب أستاذ نظرية القانون في جامعة كوين ماري وكلية ويستفيلد (جامعة لندن).

[ii] Cotterrell, Roger, “Orthodoxy, Making Law Central: A View of Sociolegal Studies”,Journal of Law and Society,, 29 (4), 632 - 644.

[iii] أنظر المرجع السابق، ص. 633.

[iv] أنظر المرجع السابق، ص. 633 - 634.

[v] أنظر المرجع السابق، ص. 638.

[vi] أنظر المرجع السابق، ص. 638.

[vii] أنظر المرجع السابق، ص. 642.

[viii] Roger Cotterrell, “Why Must Legal Ideas be interpreted Sociologically?”,  Journal of Law and Society, June 98, vol.25, Issue 2, pp.171-93.

[ix] اقتبسه كوتيريل في مقالته تحت عنوان:

"Why Must Legal Ideas be interpreted Sociologically?"

أنظر:

D.Nelken, “The Truth about Law’s Truth” in European Yearbook in the Sociology of Law 1993, ed. Febbrajo and Nelken (1994), pp.87-160.

عضو هيئة أكاديمية في معهد الحقوق وكلية الحقوق والإدارة العامة في جامعة بيرزيت. عُيِّن في جامعة بيرزيت في شهر كانون الثاني/يناير 2005. وقد استهل عمله كباحث أكاديمي ومنسق كتاب فلسطين السنوي للقانون الدولي في معهد الحقوق، ثم تولى إدارة البرامج في المعهد مع بداية العام 2006 ومن ثم إدارة المعهد منذ 1 آب/أغسطس 2012 وتتركز اهتماماته البحثية في مجالات تاريخ القانون، وحقوق الإنسان، ونظرية القانون، ودراسات القانون والمجتمع، والدراسات القانونية النقدية.

تعليقات

  • لا يوجد أي تعليقات حتى الآن. كن أول من يرسل تعليق

اضف تعليق

زائر السبت, 04 نيسان/أبريل 2020