من بيروت إلى نابلس: نقابة الأطباء وسلطة القضاء "هشاشة دولة القانون"

بقلم
2555

في لبنان، أُدخلت الطفلةِ "إيلا طنوس" ابنة الثمانية عشر شهراً المستشفى بسبب ارتفاع درجة حرارتها، تأزمت حالة الطفلة بصورة متسارعة، الأمر الذي استدعى بتر أطرافها الأربعة؛ شبهة إهمال طبي موصوفة تلوح في الأفق، حيث رفض طبيبها الحضور إلى المستشفى لمعاينة حالتها يوم الأحد، وهو يوم العطلة الأسبوعية في لبنان. وفعلاً، ما لاح في الأفق حينها؛ تحقق على الأرض بعد فترة قصيرة.

حيث أوقفت السلطات القضائية في لبنان الطبيب المشتبه به على ذمة القضية. على إثر ذلك، تحركت نقابة الأطباء في بيروت مدعومة بنقابات وتجمعات مهنية أخرى ترفع شعاراً واحداً.... لا أريد لذهنك هنا أن يذهب سريعاً للاعتقاد بأن ما تحركت من أجله النقابة: الطفلة، أو بأن ما قالته: قلقها من تكرار الأخطاء الطبية، ووعدها بالتحقيق مع المتسبب ومحاسبته تأديبياً إن ثبت بحقه الخطأ، أو بأنها تحترم قرارات وأحكام القضاء مؤكدةً استقلاله وثقتها بنزاهته وعدالة أحكامه ... لا، النقابة لم تتحرك من أجل ذلك، ولم تقل ما قيل... بل تحركت من أجل الطبيب المشتبه به، ودعت إلى إخلاء سبيله فوراً، وإلا، فالإضراب، والإضراب حتى إخلاء السبيل، فالقضاء إما يصدر حكمه بالإدانة أو البراءة، هذا ما قاله نقيب الأطباء، متجاهلاً، أو "متحدياً" سلطة القضاء على حد وصف دينا ماضي فيما خطه قلمها على مدونة المفكرة القانونية يوم 10 يونيو/ حزيران 2015، والتي استقيت منها ومن جريدة النهار اللبنانية تفاصيل الواقعة ورود الفعل حولها.

 رسم نقيب أطباء بيروت فيما قاله خريطة للقضاء، ينبغي لهذا الأخير السير على هداها أثناء تحقيقه في قضية زميله "الطبيب المشتبه به"، فإما أن يصدر حكماً ببراءة الطبيب أو بإدانته فقط. أما التوقيف "الحبس الاحتياطي"، فيجب استبعاده حتى لا يعم الإضراب المستشفيات. الطبيب النقابي المهني الذي من المفترض مدافعته عن شؤون مهنته، وأن يتحمل في سبيلها مسؤوليات إنسانية واجتماعية، يريد تلقين القضاء درساً بعدم "استسهال سوء معاملة الطبيب وإهانته"، لم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد استجلب النقيب، تدخل وزارة العدل، فأعلن صراحةً: أن الطبيب سيكون حراً ويخلى سبيله لقاء كفالة مالية، هذا ما وعده به وزير العدل على حد قوله، وفي هذا دعوة صريحة للتدخل السياسي في العمل الفني للسادة القضاة.[1]

 المعذرة، أطلت عليكم في عرض قضية الطفلة "طنوس" وردود الفعل حولها، فالحال التي وصلت إليه الطفلة وعائلتها مؤلم، والحال في فلسطين المحتلة، ليس ببعيدٍ عما دار رحاه في بيروت، بل هو شبيه به إلى حد التطابق، وبخاصة في ردة فعل الأطباء، مع اختلاف في الشخوص ونوع إصابة المريض، إنها أكثر إيلاماً، إنه الموت هنا، فقبل حوالي الشهر توفيت الأم وجنينها أثناء الولادة في إحدى مستشفيات مدينة نابلس، لتلوح في الأفق شبهة الإهمال الطبي الموصوفة، ولكن ليس في بيروت، لتشرع النيابة العامة بعد ذلك في الاستدلال والتحقيق، فتوقف الطبيب "تحبسه احتياطياً" على ذمة القضية، وكما حصل في بيروت، تتحرك نقابة الأطباء... أظنك هنا أدركت لماذا تحركت وماذا قالت وماذا فعلت؟ باختصار إجابات الأسئلة الثلاث: "إخلاء سبيل الموقوف، وإلا، فالإضراب"، وزيادة عن بيروت؛ إخلاء المستشفيات واستقالات جماعية في محاولة للضغط على سلطة القضاء لإخلاء سبيل زميلهم المحبوس احتياطياً بشبهة الإهمال الطبي.[2]

 امتلأت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بردود الفعل، مقالة من هنا، (بوست) على (الفيسبوك) من هناك، تغريدة على (تويتير) ربما...، لكن، انقسام "طفيف" بين تلك التفاعلات، فالغالبية إلى جانب ذوي المرحومة، مذكرةً الأطباء بمسؤولياتهم الإنسانية والاجتماعية التي تتعارض مع فكرة حقهم في الإضراب. وهذا ما سأبتعد عن مناقشته هنا، فلن أتطرق إلى الحق في الإضراب وضرورة الموازنة بين ممارسته، وبين المصلحة العامة وسير المرفق العام بانتظام واطراد، أو مناقشة القيود التي تفرض على الحكومة في سياق قيامها بتقييد الحق في الإضراب وغيره من الحقوق، فهذا ما لا تتسع له سطور هذه الورقة. مسألتين هنَّ مَنْ سيحظين باهتمامي هنا، الأولى: مسألة تحدي القضاء والتنكر لأحكامه وقراراته، والأخرى: محاولة التأثير على العمل الفني للسادة القضاة.

 ولو بدأنا من المسألة الأخيرة، نجد أن استقلال القضاء لا يقتصر فقط على عدم التدخل في العمل الفني والإداري لسلطة القضاء والقضاة من قبل السلطة التنفيذية أو أجهزتها بالرغم من كونها الصورة الغالبة، فالتدخل قد يأتي من السلطة التشريعية وقد يأتي من الإدارة القضائية نفسها، كما يمكن أن يأتي من الأفراد ووسائل الإعلام أو النقابات والهيئات الأهلية والقوى والاجتماعية والأحزاب والكتل السياسية...،[3] وذلك بهدف التأثير على العمل الفني للسادة القضاة أثناء نظرهم لقضية معينة. وقد أوجدت العديد من الدول قواعد تحقق الموازنة بين حق الأفراد في التعبير عن آرائهم بحرية، وبين المحافظة على استقلال القضاة وضمان عدم تأثرهم بآراء الشارع، ووضعت بأيدي القضاة وسائل عدة كي يتمكنوا من تجنب ذلك التأثير المحتمل، من ضمنها: حظر نشر الوقائع والشهادات في القضية، والمعاقبة على أفعال محددة من شأنها أن تؤدي إلى التأثير في القضاة.[4] لذلك، حذارِ من دخول أفعال النقابة في دائرة التجريم لتلك الأسباب.

 أما مسألة تحدي القضاة والتنكر لقرارات وأحكام القضاء وعدم تنفيذها ورسم خريطة للسادة القضاة -على طريقة نقابة الأطباء في لبنان: الإدانة أو البراءة فقط- من أجل السير على هداها في نظر القضية، وإلا، فالإضراب، فإن ذلك لا ينطوي على مساس باستقلال القضاء فحسب، بل ينطوي على تنكر لمبدأ سيادة القانون، وعلى حق الناس في المساواة أمام القانون والقضاء، فالأطباء بدعوتهم لعدم توقيف زميلهم احتياطياً لحين صدور حكم نهائي فاصل في الموضوع، يدعون بذلك إلى استثنائهم من نصوص قانونية تحتويها دفتي القانون الأساسي وقانون الإجراءات الجزائية تجيز توقيف المتهم أو المشتبه به احتياطياً وفق قواعد وإجراءات معينة، بينما يمكن تطبيق هذه النصوص على غيرهم! وهذا ما عبر عنه الصحفي علي دراغمة بقول: "طبعاً مش على راسهم ريشة"، قاصداً في ذلك الأطباء.

هذا الموضوع خطير وينبأ عن ثقافة خطيرة باتت منتشرة، وما يجعلها بدرجة الخطورة الشديدة، هو درجة وعي وعلم حامليها هذه المرة، بل دوماً، فهذه الحالة ليست الأولى التي تتنكر فيها نقابة الأطباء لحكم القضاء وتتحداه، ففي سياق تعليق أحد مسؤولي ذات النقابة على أحد أحكام محكمة العدل العليا المنعقدة في رام الله والقاضي بوقف إضراب كانت قد أعلنت عنه النقابة ونفذته سنة 2013، قال ذاك المسؤول النقابي: "إن النقابة تحترم قرار المحكمة لكنها لن تطبقه"، في تحدٍ علني وصريح منه للأحكام القضائية وقدسيتها، الأحكام التي حفها القانون الأساسي بحماية خاصة في المادة (106) منه.[5]

 وإن سألتني قبل الختام عن جذور هذه الثقافة الخطيرة وأسباب انتشارها، أقول لك باختصار: المؤسسة الرسمية الفلسطينية سبقت نقابة الأطباء وغيرها في الامتناع والتنكر لأحكام القضاء وتحديه، فإذا كان المسؤول عن تنفيذ حكم القضاء تنكر لحكم أو قرار قضائي ذات يوم وتحداه، فماذا تتوقع من غيره؟![6] وعلى الجانب الآخر، ربما كانت الثقة المفقودة بين النقابات من جهة، والقضاء ومؤسسات وأجهزة الدولة الرسمية من جهة أخرى، هي سبب لجوء الأطباء إلى وسائل المساومة والمقايضة التي رأيناها، فكلنا يتذكر كيف تعاملت السلطة التنفيذية ومن بعدها السلطة القضائية مع أزمة نقابة الموظفين في الوظيفة العمومية قبل فترة ليست بالبعيدة. طبعاً، ليس مبرراً الخروج عن مبادئ دولة القانون تحت أي ظرف، حتى لو كان ذلك المبرر أن الجهات الرسمية نفسها تفعل ذلك، فليس بالخروج عن مبادئ دولة القانون وتحدي القضاء؛ ضمان للأطباء وغيرهم بحفظ وحماية حقوقهم وأمنهم الشخصي والوظيفي.

 

 


 

[1]    دينا ماضي، الإضراب حتى إخلاء السبيل: نقابة الأطباء تمارس نفوذها ضد القضاء، المفكرة القانونية.

[2]    للمزيد حول حيثيات هذه القضية وإضراب الأطباء والاستقالات الجماعية، راجع العناوين الآتية:

وفاة ام وطفلها خلال الولادة بنابلس.. حولت للتشريح، الموقع الإلكتروني لوكالة معاً.

نقابة الأطباء تعلن وقف العمل بجميع مرافق وزارة الصحة ، الموقع الإلكتروني بوكالة وطن للأنباء.

استقالات جماعية للأطباء من المستشفيات الحكومية بالضفة، شبكة قدس.

 [3]    أحمد مبارك الخالدي، معوقات استقلال السلطة القضائية: دراسة مقارنة في ظل التشريعات الفلسطينية (1994 -1998)، مجلة جامعة النجاح للأبحاث: العلوم الإنسانية، نابلس، المجلد 16، العدد 2، 2002.

 [4]    للمزيد حول العلاقة بين حرية التعبير والقضاء، راجع: محمد فوزي الخضر، القضاء والإعلام: حرية التعبير بين النظرية والتطبيق "دراسة مقارنة"، المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية "مدى": رام الله، 2012.

 [5]    للمزيد، راجع: محمد فوزي الخضر، تنفيذ الأحكام القضائية وضمانات حسن سير العدالة، المركز الفلسطيني لاستقلال المحاماة والقضاء "مساواة": رام الله، 2014.

 [6]    المرجع السابق.

عمَّار جاموس هو باحث قانوني في معهد الحقوق في جامعة بيرزيت، ومحاضر في كلية القانون في جامعة النجاح الوطنية، حاصل على شهادة الماجستير في الدراسات القضائية من جامعة زايد في أبوظبي. له بحث منشور بعنوان حالة الطوارئ في القانون الأساسي المعدّل لسنة 2003 وتطبيقاتها في الواقع الفلسطيني.

تعليقات

  • لا يوجد أي تعليقات حتى الآن. كن أول من يرسل تعليق

اضف تعليق

زائر الثلاثاء, 20 تشرين1/أكتوير 2020